|
السيدة كوريك: سعادة السفير كروكر، لقد ذكرتم مؤخراً عبر إذاعة التلفزيون العراقي أنه لن يطرأ أي تغيير جذري أو سريع على السياسة الأمريكية في العراق. ولكن كل شيء يثبت أن الحكومة العراقية لا تحرز التقدم الكافي. إذاً، لماذا لا يكون هناك تغييراً؟
السفير كروكر: يتم إحراز التقدم في العراق بشتى الطرق. لقد رأيتِ بعض هذا التقدم خلال الوقت الذي أمضيتِيه هنا في الفالوجة حيث طرأ تغييراً كبيراً على الأرض، وفي الواقع، في كافة أنحاء محافظة الأنبار حيث اختار أبناء المنطقة الوقوف ضد تنظيم القاعدة واختيار الاستقرار. إذاً، أقول لك أن ثمة تغييراً عميقاً قد حدث حقاً. ويحدث التغيير أيضاً على الصعيد الوطني، لا سيما في تمكن قادة العراق الخمس الأساسيين في الاجتماع مع بعضهم البعض كما حدث منذ أسبوع ووافقوا على إعلان المبادئ والخطوات التشريعية المحددة التي سيتخذونها. فهذا تطور أيضاً. إذاً، في حين أن هناك عدد من المشاكل والتحديات، وستكون هناك انتكاسات-- صعوبات يجب التغلب عليها - - إلا إننا أعتقد أيضاً أنه يجدر بنا أيضاً أن نعترف بالمسار السليم الذي تتخذه بعض الأمور، وأعتقد أن باستطاعتنا الإشارة إلى ما يدل على هذا المسار السليم على كل من الصعيدين الوطني والمحلي.
السيدة كوريك: لنتطرق إلى الناحية السياسية. كيف تتجه الأمور في الاتجاه الصحيح على الصعيد السياسي؟ هناك من لا يرى أن صدور بيان يحدد مهمة الحكومة وأهدافها التشريعية خطوة في الاتجاه الصحيح. ويقول الكثيرون إنها فقط "كلام لغرض الكلام".
السفير كروكر: مرة أخرى، أكرر قائلاً أن مقياس التوقعات يجب أن يكون متماشياً مع الواقع، والواقع العراقي معقد للغاية. إن إشارات تحقيق التقدم على الصعيد التشريعي هامة ولكنني أرى، بعد أن أمضيت خمسة شهور هنا منذ مجيئي إلى العراق، أن باستطاعة العراق إنجاز جميع ما تم تحديده على الصعيد التشريعي من إشارات التقدم في المسار السليم، دون التوصل إلى تحقيق المصالحة الوطنية. والعكس صحيح إذ يمكن تحقيق المصالحة الوطنية وعدم تحقيق إشارات التقدم على الصعيد التشريعي. إنني لا أعتقد أن هذا اختباراً جيداً للمسار الذي يسير فيه العراق فعلاً. ولكنني أعتبر اجتماع قادة العراق مع بعضهم البعض بالرغم من اختلافاتهم، واتفاقهم حول نصين تشريعيين، كما فعلوا، واتفاقهم أيضاً على بعض المسارات علامات مشجعة. كما أرى أن التزامهم بالمضي قدماً مع بعضهم البعض، مستعينين بآلية القيادة لاتخاذ القرارات الإستراتيجية في المستقبل، هو إشارة مشجعة تدل على بداية ظهور بوادر نجاعة هذا المسار.
السيدة كوريك: ما الذي تعنيه بذلك على وجه التحديد؟ هل تعني أن هذه المجموعات المتباينة ستعمل مع بعضها البعض. ألم يحدث ذلك طوال هذا الوقت؟ لماذا لم تعبر هذه المجموعات قبل كل هذا الوقت عن استعدادها للعمل سوياً؟
السفير كروكر: مرة أخرى، يا سيدة كايتي، إن إدراك موقف العراق ووضعه وأسباب وجود هذا الوضع يتطلب رؤية الأمور في موضعها الحقيقي. إن ما يحدث في العراق لم يحدث في ليلة وضحاها، ولن ينعكس مجرى الأمور في ليلة وضحاها. لأن حزب البعث الذي حكم العراق لمدة خمسة وثلاثين عاماً أهلك العراق على كل الأصعدة و مزق هو وصدام حسين المجتمع العراقي إرباً إرباً، فلم تكن هناك هيكليات سياسية بديلة ولا هيكليات اجتماعية بديلة، وحتى الأسر تفككت، إذ كان النظام السابق يعتقل أحد أفراد أسرة ما ويعذبه ويقتله دون أي سبب، وكان النظام يقدم الشكر للذين سلموا الخائن الموجود بينهم. وقد خلق ذلك جواً من الشك والرعب يصعب كثيراً التغلب عليه. وقد أدى كل ذلك إلى تفتيت المجتمع ومحو كل شئ فيه فيما عدا الهويتين الأساسيتين فيه، وهما الطائفية والقومية. هذه هي الظروف التي انطلق بها هذا البلد عام 2003، وعندما انطلقت في مثل هذه الظروف شرارة تفجير مسجد سامراء عام 2006، انتشرت نيران الانفجار الطائفي. لقد انخفضت الآن حدة العنف الطائفي خلال الشهرين الماضيين نتيجة زيادة عدد القوات الأمريكية والعراقية المشتركة، وأعتقد أن المناخ الذي بدأ يتكون الآن فقط هو الذي سيسمح للقادة بالتوقف لالتقاط نفساً عميقاً قبل الالتقاء مع بعضهم البعض للبدء بالعمل سويا في معالجة هذه القضايا الصعبة للغاية لأنها قضايا تشكل مسائل تتعلق بوجود العراق والعراقيين. إن الإصلاح الذي تم الاتفاق عليه نهار الأحد الماضي لاجتثاث البعث يشكل خطوة أساسية ويشبه التشريع الخاص بالحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية. أما القضية الهامة الأخرى التي عملوا عليها، فهي صلاحيات سلطة المحافظات، وعلى وجه التحديد السلطات التي تتمتع بها المحافظات وتلك التي ستبقى في يد السلطة المركزية، وهذه القضية تشبه مسألة حقوق الولايات لدينا. إن ما شاهدناه إذاً عام 2003 لم يكن نظاماً، بل ثورة تتبلور. إن ما شاهدناه كان ثورة، ولذلك فإن إنشاء هياكل هذا المجتمع وتكوين نسيجه وإكسابه الثقة لكي يتمكن من المضي قدماً ليصبح كياناً مستقراً سوف يستغرق الكثير من الوقت.
السيدة كوريك: لماذا تُنفق المليارات من الدولارات وتُفقد آلاف الأرواح من الأمريكيين في سبيل نجاح هذه الحكومة؟
السفير كروكر: يجب أن تنظري إلى عدة نواح هنا. أولاً، هل سيتمكن العراق من تحقيق النجاح؟ أعتقد أنه في وسع العراق تحقيق النجاح. إنني إذا كنت لا أعتقد أن باستطاعة العراق تحقيق النجاح، لكنت رفضت قبول هذه المهمة. أعتقد أن الطريق لتحقيق النجاح سيكون شاقا وسيستلزم التحلي بالصبر. إن التحلي بالصبر أمر هام لأن الشيء الآخر الذي يجدر النظر إليه هو البدائل؟ فإذا قررنا أننا لا نريد الاستمرار في هذه السياسة، ما الذي سيعنيه ذلك؟ العراق ليس كتاباً نغلق صفحاته أو فيلماً نشاهده حتى النهاية عندما تُعرض على الشاشة أسماء الممثلين وأسماء جميع من ساهموا في إخراجه وإنتاجه. إن ما يحدث في العراق سوف يستمر في وجودنا وفي غيابنا. وقد أعلن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد نوايا إيران مؤخراً وبين بوضوح الأعمال التي تنوي إيران القيام بها في حال خروج الولايات المتحدة من العراق، إذ قال إن إيران مستعدة لملأ الفراغ في العراق. لقد تمكننا بالعمل مع العراقيين، من إحراز تقدم هام ضد تنظيم القاعدة. وأقول هنا مجدداً، كما رأيتِ، إن إحراز مثل هذا التقدم لم يكن أمراً ممكناً منذ ستة أشهر. فإذا قررنا، مرة أخرى، أننا سئمنا من هذا الجهد، علينا أن نأخذ في عين الاعتبار ما الذي سيأتي من بعدنا. من هو المستفيد إذا كان العراق لا يستطيع بمفرده أن يحافظ على استمرار استقراره؟ وأعتقد أن المستفيد من ذلك هم بالتحديد تلك القوى الأكثر سلبية نحونا والأشد خطراً علينا جميعاً -- ألا وهي تنظيم القاعدة والمتشددين من السنة من ناحية، وإيران والمجموعات التي تدعمها إيران من ناحية أخرى.
السيدة كوريك: لماذا يكون الأمر خطيراً للغاية إذا ملأت إيران الفراغ الذي تتركه الولايات المتحدة؟
السفير كروكر: أولاً، أظن أنه قد يؤدي ذلك إلى حالة من عدم الاستقرار والتناحر الشديدين. وقد رأينا شيئاً مما قامت به المجموعات المدعومة من قبل إيران في بغداد وجنوب العراق حيث يغتالون حكام المحافظات ويلاحقون قواتنا.
السفير كروكر: أعتقد أنه من المحتمل جداً أن يثير ذلك ردة فعل من دول الجوار العربية التي تراودها كثيراً مشاعر القلق البالغ من نوايا إيران في تلك المنطقة. إذاً، قد يمهد ذلك السبيل أمام اندلاع نزاع إقليمي على الأراضي العراقية وإيجاد وضع يشتد فيه العنف وعدم الاستقرار، الأمر الذي قد يؤدي إلى عاقبتين على الأقل يجب علينا أن نفكر فيهما بحذر.
العاقبة الأولى هي المناخ الذي يمكن تنظيم القاعدة، وكما ذكرت للتو، من ترسيخ نفوذه مرة أخرى. أما العاقبة الثانية، فهي الناحية الإنسانية. لا أعتقد أن الأمريكيين يرغبون مشاهدة نزاع أهلي تدعمه إيران يجتاح العراق وينتشر في أرجائه لأننا سئمنا وقررنا أننا لا نريد الاستمرار في هذا [الجهد] بعد الآن. إن الأمريكيين أناس يتمتعون بالأخلاق الحميدة، وقد رأيتِ كيف كانت ردة فعلنا لما شاهدته قواتنا في رواندا أو البلقان. فما قد يحدث في العراق قد يحصل حتى على نطاق أوسع. وأرى أنه يجب علينا القيام بكل ما في وسعنا طالما كانت هناك إمكانية للانتقال بهذا البلد نحو نتيجة أفضل.
السيدة كوريك: قلت مؤخراً أن دعم الولايات المتحدة للعراق لن يكون شيكاً على بياض. كيف تقيسون إحراز التقدم إذا كنتم تعتقدون أن إشارات النجاح لا تعرب بالضرورة عن مؤشر للتقدم؟ كيف يمكنكم تحديد ما إذا كانت الحكومة العراقية قد اتخذت خطوات حقيقية، خطوات ملموسة؟
السفير كروكر: يمكنك النظر إلى المسالة من منظورين أولهما ما تفعله القيادة الوطنية، فالاتفاق الذي توصلت إليه تلك القيادات منذ أسبوع مثلاً، يشكل مؤشراً. أما المؤشر الثاني فهو، مجدداً، ما يحصل في المحافظات. وهناك مؤشر ثالث هو خليط من هذين المؤشرين: كيف تعمل الحكومة المركزية مع الحكومات الإقليمية في المحافظات وترتبط بها لدعم بعضها البعض. وهنا يدخل الاقتصاد في الصورة. أعتقد أن النتائج الإيجابية لقدرة الحكومة المركزية على تنفيذ ميزانيتها، ولقدرة المحافظات المتنامية على وضع ميزانياتها وتنفيذها كانت ضعف ما تم تحقيقه من نتائج إيجابية في السنة الفائتة، وذلك على صعيد صرف الأموال المرصودة لكل منها وتوزيع العائد على المواطنين كي يشعروا بتحقيق تغيير إيجابي في حياتهم. أعتقد أن هذا مقياس مهم.
وأود أن أعقب على هذه النقطة الأخيرة قائلاً لك إن إحدى إشارات النجاح على الصعيد التشريعي هو قانون مشاطرة العائدات [بين الحكومة المركزية والحكومات الإقليمية] وهو ما لم يتحقق بعد، رغم أن مشاطرة العائدات تتم بالفعل. إن السلطة في بغداد هي التي ترصد الأموال لميزانيات المحافظات، والعائدات كلها عائدات النفط. إذاً، أرى أننا نشاهد هنا إلى حد ما مساراً تحدث من خلاله الأمور على الأرض قبل أن تتم على مستوى التشريع الوطني.
والمثال الآخر لذلك هو الإصلاح المرتبط [بقانوني] اجتثاث البعث والعفو، إذ لا يوجد بعد قانونا رسميا للعفو، ومع ذلك، أعادت الحكومة إلى الخدمة العسكرية عدداً كبيراً من الضباط السابقين الذين عملوا تحت راية نظام حزب البعث، أو دفعت معاشات التقاعد لعدد كبير من هؤلاء الضباط السابقين المتقاعدين. أعتقد إذاً أن كل هذه الأمور هي أمور يجدر بنا النظر إليها.
السيدة كوريك: هل لا يزال رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي حاصلاً على ثقتكم التامة؟
السفير كروكر: لقد التقيت مع رئيس الوزراء المالكي قبل أن أجلس معك، وهنأته على ما حققه في الأيام القليلة الماضية في كربلاء حيث - كما تتذكرين-- حاول جيش المهدي نشر عناصر تابعين له في جوار العتبات المقدسة هناك. قد قام رئيس الوزراء المالكي، بعمل شجاع، عندما توجه على رأس قافلة إلى كربلاء وبسط السيطرة على الوضع وأعطى التوجيهات باعتقال بعض العناصر فكرس استقرار الوضع. ونسمع الآن بيانات صادرة عن مقتدى الصدر، مثلاً، تدعو جيش المهدي إلى وقف كل الأعمال العدوانية على مدى الأشهر الستة القادمة.
إذاً، أعتقد أن رئيس الوزراء شخص يتحلى جلياً بالمزايا المناسبة، فهو شخص يتمتع بالشجاعة والنزاهة. وهو يواجه تحديات هائلة. إننا نصاب بالإحباط، وأعتقد أنه هو أيضاً يصاب بالإحباط. ولكننا نشجعه للقيام بالمزيد وندفعه ونحثه على المضي قدماً نحو الأمام، لكنني أعتقد أنه يبذل جهداً حقيقياً للارتقاء ببلده وتوصيله إلى وضع أفضل.
السيدة كوريك: كما تعرف، تم التصويت مرات متعددة في الولايات المتحدة على حجب الثقة عن رئيس الوزراء المالكي.
السفير كروكر: لقد شاهدت تلك التصريحات. إن بلدنا بلد حر يتم فيه التعبير عن آرائنا بحرية، أما العراق فيمر بمرحلة قبل تلك التي ستخضع فيها الحكومات العراقية لمساءلة الشعب العراقي. إن العراق الآن بلد ديموقراطي، نظامه ديموقراطي برلماني. يحوز العراقيون اليوم على الوسائل التي تمكنهم من استهلال إجراءات التصويت لحجب الثقة في البرلمان العراقي. فما من حكومة تدوم إلى الأبد في النظام البرلماني. وهذه الحكومة لن تدوم إلى الأبد بكل تأكيد. ولكن خلافاً لما كانت عليه الأيام الغابرة في العراق، ثمة نظام الآن وثمة آلية تمكن العراقيين من تقرير إذا ما كانت حكومتهم تستحق ثقتهم. وإذا ارتأى العراقيون أن حكومتهم لا تستحق الثقة، فلديهم السبل لحجب الثقة عنها .
السيدة كوريك: أعود للحديث عن الشأن الإيراني. لقد التقيتم مرتين بالسفير الإيراني. هل تحرزون أي تقدم على الصعيد الدبلوماسي وهل شارفتم على نوع من الاتفاق مع الإيرانيين في ما يخص دورهم في العراق؟
السفير كروكر: أعتقد أن هذا الأمر مثل الكثير من المسارات في العراق، قد يتطلب أيضاً بعض الوقت. لقد عقدنا اجتماعين، واجتماعا آخر على مستوى فرق العمل عُقد بعد الاجتماع الثاني. لقد قدمنا أمثلة عن تصرفات إيران تجعل الوضع الأمني أشد سوءاً، كما أوضحنا تماماً توقعاتنا القيام بشئ ما إزاء تلك التصرفات.
إذاً، سيكون المقياس بالأفعال وليس بالأقوال. لقد شاهدنا تصريحا صدر عن مقتدى الصدر في الأيام القليلة الماضية، وشاهدنا أيضاً رجال دين إيرانيين نافذين يصدرون بيانات ضد العنف الذي شاهدته كربلاء. فسنراقب لنرى إذا ما كنا سنشاهد على الأرض أي اختلاف على صعيد المشاكل التي تسبب بها في السابق.جيش المهدي -- المدعوم من قبل إيران. هذا هو ما سنراقبه.
أقول مجدداً إنني لا أتوقع تغييراً مفاجئاً، ولكن ربما سنبدأ برؤية تحسيناً متنامياً يتم على مراحل.
السيدة كوريك: في ضوء الاختلافات العميقة بين الشيعة والسنة في العراق، هل تعتقدون بصدق أن هذان الفريقان سيتمكنان من العمل سوية في إطار حكومة إئتلافية؟
السفير كروكر: أعتقد أنه يمكنهم ذلك. وأكرر مرة أخرى أن العراق مكان معقد للغاية. وما رأيناه مرتين لم يكن عنفاً بين الطوائف ولكن عنفاً في داخل الطوائف: إن الصراع بين تنظيم القاعدة وعشائر الأنبار حدث بين أهل السنة في ما بينهم. وما شاهدناه في الأسبوع المنصرم في كربلاء مع قيام جيش المهدي بقتل أكثر من 50 من المصلين الشيعة. لقد حدث ذلك بين أهل الشيعة في ما بينهم.
ربما الطريقة الأفضل لوصف ما يحدث هو أنها [مواجهة] بين المتشددين والمعتدلين. والمعتدلون – أكانوا من أهل السنة أو من أهل الشيعة - - لديهم، باعتقادي، الكثير من أوجه مشتركة مع بعضهم البعض الآخر ، وذلك أكثر بكثير مقارنة مع ما لدى المتشددين لدى كل من الطائفتين. أعتقد أن هذه الحقيقة هي التي وحدت قادة العراق في الأسبوع الماضي. وآمل أن هذه الحقيقة هي التي ستبقيهم سائرين في الاتجاه الصحيح.
السيدة كوريك: يفيد العديد من المراسلين المحليين أن بعض المناطق في العراق قد انقسمت أحياناً إلى مجموعة من المدن والولايات القائمة بحد ذاتها والتي تتصرف كما لو أنها دولة بحد ذاتها، بحكوماتها الخاصة، وأحياناً بميليشيات خاصة بها، مظهرة بصراحة احترام قليل جداً تجاه الحكومة المركزية.
السفير كروكر: في الحقيقة، إنها نقطة جوهرية وهي النقطة التي أشرت إليها في ما سبق ذكره. أعتقد أن إحدى سبل قياس الاتجاه الذي يسير فيه العراق ستكون قدرة الحكومة المركزية على الارتباط مع المحافظات. ولهذا السبب تأخذ الميزنيات أهمية كبيرة.
السيدة كوريك: لا يمكن أن تكون مسروراً بالدرجة التي استجابت فيها حتى الآن وعند هذا الحد الحكومة المركزية للمجتمعات المحلية، أليس كذلك؟
السفير كروكر: إن كم الأمور التي لا أشعر بالسرور تجاهها لا حدود له. ولكن على المرء مواصلة المسيرة. فالتقدم يتم إحرازه على مراحل. ثمة حدث كبير سيحصل في الأنبار، وهو المكان الذي زرتيه ، في 6 سبتمبر/ أيلول. سيصل إلى الأنبار نائب رئيس الوزراء مصطحباً معه وفد من الوزراء الفدراليين. وسيجلس هؤلاء مع سلطات المحافظة لاستعراض [المطالب] التي تحتاجها المحافظة من السلطة المركزية. وبما أنني أعرف نائب رئيس الوزراء، أعتقد أنه سيحضر معه بعض ما تسعى المحافظة الحصول عليه. وقد توجه وفد مماثل إلى مدينة بعقوبة في محافظة ديالى التي شهدت الكثير من القتال بين المليشيات السنية والشيعية والكردية. إذا، ثمة جهد يبذل في هذا الصدد. وتسلم الحكومة المركزية الأموال إلى المحافظات على شكل مبالغ مرصودة في إطار الميزانيات. أعتقد أنه أمر جوهري. والمرحلة الحاسمة التالية ستكون قيام المحافظات بتفعيل الميزانيات. وهذا ما نعمل عليه. لقد التقيت بفرق إعادة الإعمار المناطقية – ولدينا 25 فريق منتشر في بغداد وأرجاء العراق-- في الأسبوع الفائت وقلت لهم إن أهم ما يمكن فعله هو مساعدة المحافظات والمناطق على تفعيل هذه الميزانيات لأن المواطن، أكان في العراق أو في الولايات المتحدة الأمريكية، يترقب ذلك. وأعتقد أن هذه هي أكثر الاختبارات نجاعة لاختبار أداء الحكومة.
السيدة كوريك: برأيك، ما هو حجم المشكلة التي تمثلها مسألة ندرة الخدمات الأساسية المتوفرة الآن للعراقيين؟
السفير كروكر: إنها مشكلة كبيرة. وأنا أقضي وقتاً في بغداد خارج المنطقة الخضراء وأخرج إلى الناس كلما استطعت وأسألهم عن مشاكلهم. ودائماً يأتيني الجواب نفسه. فالوضع الأمني هو في مقدمة شجون الناس. والجميع يقر بأن الوضع الأمني يتحسن مما يجعل الناس يركزون على الموضوع الثاني الذي يشغلهم وهو موضوع الخدمات. فيسألون أين الماء وأين الكهرباء وأين خدمة لم النفايات؟
السيدة كوريك: وماذا تقول لهم؟
السفير كروكر: أقول لهم أننا، بالتأكيد، نشاركهم شعورهم بهذه الأولويات، وأننا دؤوبون ونسعى بكل فعالية إلى مساعدة الحكومة كي تصبح في موضع يسمح لها توفير هذه الأمور. ولكن، أكرر أنه عليك أن تتذكري أن الناس في تلك الأحياء غير الحاصلة على ما تحتاجه، كانوا منذ شهرين يختبئون في الملاجئ بسبب الصراع الطائفي الذي كان ثائراً من حولهم. ولا يمكنك توفير الخدمات عندما تُستهدف خطوط التيار الكهربائي بنيران الأسلحة وعندما تُقصف محطات تحويل التيار الفرعية. أعتقد أننا بلغنا مرحلة الآن ، بفضل عملية زيادة عدد الجنود، ليست المصالحة السياسية فيها ممكنة في مناخ أكثر هدوءاً فحسب، بل هناك أيضاً مناخ يسهل للحكومة إمكانية إيصال الخدمات [للناس]. ففي السابق، لم تكن الحكومة تستطيع القيام بذلك.
السيدة كوريك: برأيك، ما هو مدى الصبر الذي يجب على الشعب الأمريكي إظهاره تجاه هذه المساعي وتجاه الوقت الذي تقول أنه ستستلزمه؟
السفير كروكر: أعتقد أن ما يتوقعه الشعب الأمريكي، وله كل الحق في أن يتوقعه، هو إشارات تدل على أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، وأن النمط ممكن، وأن ثمة سبب وراء التوقع أن البلد قادر على استرداد قواه. أعتقد أنه إذا ما رأى الأمريكيون ذلك، سيكونون صبورين. وهذا ما مهدت له عملية زيادة عدد القوات. أكرر أنني تحدثت عن بعض التطورات الإيجابية التي نشهدها على الصعيدين السياسي والاقتصادي. فعلى الصعيد الإقتصادي، يجب أن يبلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي عام 2007 في العراق نسبة 6 بالمائة ، بالرغم من كل المشاكل التي حدثت في عام 2007. إذاً، أعتقد أننا بدأنا نرى إشارات ظاهرية مشجعة، والتي إذا ما تعززت وعندما تتعزز، ستجعل الشعب الأمريكي مستعداً لمنح العراقيين الوقت اللازم لترسيخ نسيج مجتمع مستقر.
السيدة كوريك: لقد ذكرت أن ثمة لائحة "غسيل" متضمنة الأمور التي لا تشعرك بالسرور. هل يمكنك ذكر أهم هذه الأمور الثلاثة المهمة [المندرجة في تلك اللائحة]؟
السفير كروكر: حسناً، لا يزال الوضع الأمني مشكلة، وهي مشكلة تراجعت حدتها بفضل نجاح عملية زيادة عدد القوات. ولكن الأذى الذي ألحقه العنف الطائفي بنسيج المجتمع لا يمكن إحصاؤه وسيستلزم ذلك وقتاً لإصلاحه. وعلى العراق أن يحسن من أدائه على صعيد توفير الخدمات. أما الأمر الثالث والمرتبط بالأمر الثاني، فهو قدرة الحكومة على الأداء. وهنا أذكر نفسي بضرورة التحلي بالصبر من حين إلى آخر. فهذه ثورة إذ لم تتمتع المحافظات العراقية أبداً من قبل بالسلطة والمسؤولية التي تتمتع بها اليوم. ولم يُعهد في تاريخ العراق أبداً من قبل أن تحظى المحافظات العراقية بمسؤولية وضع الميزانية الخاصة بها وتنفيذها. لا يزال أمامنا طريق طويل لتطوير القدرات الضرورية، وقد تَعرقَل هذا المسار بسبب العنف الطائفي الذي تسبب بدفق اللاجئين وهروب الأشخاص ذوي الخبرة في الأمور إلى خارج البلاد. سوف يستغرق ذلك كله وقتاً . أعتقد أن النواحي الثلاث المتمثلة بالأمن والخدمات وقدرة الحكومة [على الأداء] تشكل التحديات الجوهرية. فنحن نشهد تقدماً على هذه الأصعدة الثلاثة ومن الجلي ضرورة المحافظة على هذا التقدم الذي تم إحرازه.
السيدة كوريك: دون الخوض في الكثير من التفاصيل، ما هو حجم المشكلة المتمثلة بوجود الميليشيات وعرقلتها لقدرة الحكومة على الاضطلاع بمهمتها؟
السفير كروكر: لقد شكلت [الميليشيات] مشكلة هائلة للحكومة وللناس. وعندما نتحدث عن العنف الطائفي في معظم الأحيان، نتحدث عن عنف الميليشيات: فرق الموت المنظمة، والجهد المنظم لإرغام أفراد الطوائف على النزوح. هذه كلها نشاطات الميليشيات. لقد كان النجاح الذي تحقق ضد المتشددين السنة نجاحاً كبيراً، ونرى الآن ردة الفعل ضد المتشددين الشيعة مما أدى إلى صدور بيان عن مقتدى الصدر دعا فيه جيش المهدي إلى وقف نشاطه. لقد شاهدنا العصابات الشبيهة بالميليشيات تنفذ عمليات اغتيال ضد حكام المحافظات. وشاهدنا طبعاً مشكلة السيارات المفخخة ولا سيما تلك التي يطلقها تنظيم القاعدة. بذلك، يجب تفكيك تركيبة الميليشيات هذه. وإذ ننظر إلى الأمور المستقبلية التي نحتاج إلى فعلها، على سبيل المثال، في بغداد في الأشهر القليلة القادمة، سيكون [تفكيك الميليشيات] جزءاً منها. لقد أدت عملية زيادة عدد القوات إلى خفض حدة التوتر بشكل جذري ولكنها لم تزل الميليشيات. وستكون الخطوة الأكثر تعقيداً استبدال الميليشيات بالقوات الأمنية العراقية والخدمات التي توفرها الحكومة.
السيدة كوريك: يصعب على الأمريكيين تفهم ذلك لأن إحدى الميليشيات على الأقل ، ميليشيا مقتدى الصدر، هي جزء من الحكومة. كيف تسيطرون على هذا الأمر، وكيف تبقون هذه المجموعة في العملية السياسية؟
السفير كروكر: هذه مسألة جوهرية، وأكرر أن كل شيء مرتبط بالعراق هو أمر معقد . إن جيش المهدي ، ميليشيا مقتدى الصدر، ليست جزءاً من الحكومة. وبالفعل، انخرطت القوات الأمنية العراقية في العديد من المرات في صدام عسكري معهم.
السيدة كوريك: ولكن [التيار] الصدري جزء من الحكومة.
السفير كروكر: [التيار] الصدري كان جزءاً من الحكومة ولكن وزراؤه انسحبوا من الحكومة في الربيع الماضي. لقد سحبهم مقتدى الصدر من الوزارات الست التي كانوا يشغلون مناصب فيها. أعتقد أنه على مقتدى الصدر أن يتخذ خياراً، والبيان الصادر عنه منذ أيام يدل على أنه يتخذ هذا الخيار. فعلى [مقتدى الصدر] أن يقرر إذا ما كان سيصبح طرفاً مسؤولاً في المسار السياسي ويعمل من داخل النظام أو إذا ما كان سيرمي بثقله في تصرفات ميليشيات غير شرعية مثل جيش المهدي. ولا يمكن [لمقتدى الصدر] أن يكسب الأمور من الجهتين. أعتقد أن هذا ما يحاول فعله. ولن يمكنه فعل ذلك. فلن يقبل الناس بذلك لا سيما وأننا نرى ردة الفعل الآن ضد جيش المهدي. آمل طبعاً أنه سيتخذ خيار المشاركة في العملية السياسية، ويبتعد تماماً عن جيش المهدي الذي، وأكرر ذلك، يجسد ماضي العراق أكثر من حاضره.
السيدة كوريك: ستقولون للكونغرس أنه تم إحراز التقدم على الصعيد السياسي. وسيقول الجنرال بيترياوس أنه تم تحقيق التقدم على الصعيد العسكري. ومع ذلك، تفيد الجهات الأخرى ، لا سيما مكتب المحاسبة المالية التابع للحكومة الأمريكية أن العراقيين أخفقوا في إنجاز 15 من أصل 18 إشارة تقدم. ويقول أحد الجنرالات المتقاعدين إن القوات الأمنية العراقية تعاني من الفساد وقد اخترقها المتمردون أمنياً. وجاء تقرير التخمينات الإستخباراتية الوطنية منتقداً بشدة للوضع. كيف يعرف المرء من يصدق عندما يكون المرء مشاهداً من خارج الحلقة؟
السفير كروكر: دعيني أعرض معك ما يلي. وماذا إذا كان كل ما ذكرتيه صحيحاً؟ بالرغم من أن تقرير مكتب المحاسبة المالية التابع للحكومة الأمريكية يفيد أنهم لم ينجزوا 15 من أصل 18 إشارة، وبالرغم من الاختراق الأمني للقوات الأمنية، ثمة تقدم إيجابي حاصل [بغض النظر عن الأمور الأخرى]. إن مؤشرات مكتب المحاسبة المالية التابع للحكومة الأميركية [واضحة] مطلقة إذ السؤال هو هل حققوا هذه الإشارات أم لم يحققوها؟ إن رد الإدارة على الإشارات المحددة من قبل الكونغرس يخدم هذا الغرض، وذلك من خلال الإشارة إلى التقدم المرضي الذي حدث. وقد ذكرت آنفاً أن السؤال الأساسي الذي يجول في بالي هو إذا ما كانت الإشارات المحددة للنجاح تعكس الصورة الكلية [للوضع].
السيدة كوريك: لا أريد الغوص في الإشارات المحددة للنجاح. ولكن النقطة التي أثيرها هي التالية: يبدو أنه لكل شخص تفسير مختلف لمعنى التقدم أو قلة التقدم. فما الذي يظنه المواطن الأمريكي العادي؟
السفير كروكر: استناداً إلى تجربتي، إن المواطن الأمريكي العادي شخص حذق ويمكنه ملاحظة الأشياء بنفسه. لا شك أنه تم إحراز التقدم في محافظة الأنبار ، وليس فقط تقدماً على الصعيد الأمني وإنما أيضاً على الصعيد السياسي. فشيوخ العشائر أعضاء في مجلس المحافظة، والمجلس ينفذ ميزانيته بالنيابة عن الناس، والحكومة المركزية تمد يد العون للمحافظة. إنه تقدم أمني و سياسي. أعتقد أن الأمريكيين سيلاحظون ذلك، وسينظرون إلى ما يحصل في الأنحاء الأخرى في البلاد. وما يحدث في المحافظات الأخرى. وأعتقد أن الأهم على المدى القصير هو أنهم سينظرون إلى الناحية الأمنية. هل ستنخفض وتيرة العنف وهل ستبقى منخفضة؟ وإذا ما بقيت منخفضة، فما هي الفوائد التي يكتسبها العراقيون من خلال الخطوات السياسية والاقتصادية؟ أعتقد أن الأميركيين سيكونون قادرين على ملاحظة ذلك واتخاذ قرارهم الخاص بهم.
السيدة كوريك: هل تشعرون بالقلق حيال الإدلاء بشهادتكم أمام الكونغرس، وأن الناس جميعاً قد عقدوا العزم، وقد لا يكونون بالضرورة منفتحين نحو أية أخبار إيجابية قد تسلمونها [للكونغرس]؟
السفير كروكر: يمثل التحدي في التقييم الذي سأعود لأقدمه مع الجنرال بيتريوس فقط في محاولة عرض الأمور بالشكل الصحيح. لقد تحدثت مراراً وتكراراً عن الطابع الشديد التعقيد للأمور هنا [في العراق]. وهذا ليس ذريعة من أجل التنصل، فالأمور معقدة هنا. وما علي محاولة فعله هو بذل كل ما باستطاعتي من أجل التقاط أفضل صورة عن الوضع هنا، وذلك كل من الصورة السيئة والصورة الحسنة، ووصفها للكونغرس وللشعب الأمريكي. ولا يمكنني التحكم بردة فعل الناس والتأثير عليها تجاه ذلك. إن وظيفتي هي ببساطة أن أعود وأقول هذه هي الأمور كما أراها بصورة شاملة وصادقة.
السيدة كوريك: عند هذا المفترق، سعادة السفير، هل ما زلت تشعر بحس إيجابي حيال مستقبل العراق؟
السفير كروكر: أعتقد أن العراق سينجح، ولا أستطيع إعطاء ضمانات عن أي شيء سوى أن أقول إنه إذا شعرنا بالكلل والملل، وإذا اتخذنا هذا القرار، أنا واثق تماماً أن مصير العراق عندئذ سيكون الفشل.
السيدة كوريك: عفواً، هل تعيد ما ذكرته للتو؟
السفير كروكر: لا يمكنني توفير ضمانات. أعتقد أن العراق سينجح. وما أستطيع تأكيده تماماً هو أنه إذا قررنا أننا نشعر بالكلل والملل تجاه هذا الجهد وأننا لا نريد دعم انخراطنا، سيكون مصير العراق عندئذ الفشل.
|